بتاريخ ميلادي أدركت حقيقة عظيمة لي كأم
الطريق الذي لم أكن أعرفه
هناك لحظات في الحياة يقف فيها الإنسان فجأة…
كأنه خرج من داخل الزمن للحظة قصيرة،
ينظر إلى الطريق الذي مشى فيه،
ويكتشف أنه قطع مسافة لم يكن يتخيلها.
هذا الصباح كان واحدًا من تلك اللحظات.
نظرت إلى أولادي…
وفجأة أدركت أنهم كبروا.
ليس ذلك الكِبر الذي تلاحظه الأم يومًا بعد يوم،
بل الكِبر الذي يظهر فجأة
حين يبدأ الأبناء في التفكير في مستقبلهم.
جامعة…
وظيفة…
سيارة…
وحياة خاصة بهم.
وفي تلك اللحظة
عاد بي الزمن إلى بداية الطريق.
يوم تغيرت حياتي بالكامل.
توفي أبوهم… 2014 م و الانتقال من مدينة الرياض الى جدة.
وكانوا ما زالوا صغارًا جدًا.
الأول كان عمره ثماني سنوات،
والثاني ست سنوات،
والثالثة… طفلتي الصغيرة.
ثلاث سنوات ونصف فقط.
كنت أنظر إليهم في تلك الأيام
وأشعر أن الحياة وضعت بين يدي مسؤولية أكبر من قدرتي.
لم يكن لدي دليل طريق.
لم يكن لدي خطة واضحة.
لكن الطريق بدأ…
وأصبحنا نحن الأربعة عائلة صغيرة
نتعلم الحياة خطوة خطوة.
كبروا أمام عيني
ورأيت كل تفاصيل الرحلة.
الخوف الأول بعد الفقد.
أيام المدرسة.
المرض.
المسؤوليات.
المصاريف.
الضحكات الصغيرة التي كانت تعيد للحياة معناها.
كنت أحاول أن أكون لهم كل شيء:
أمًا…
وأبًا…
وسندًا.
بحثت عن عمل…
طرقت أبواب الوظائف مثل أي إنسان يريد أن يثبت قدميه في الحياة.
لكن الوظيفة لم تأتِ.
في البداية ظننت أن هذا باب مغلق،
لكنني أدركت لاحقًا أن الله كان يفتح بابًا آخر لم أكن أراه.
كتب الله لي أن يكون عملي من المنزل.
ربما لم أفهم الحكمة حينها،
لكنني كنت أرى شيئًا واضحًا أمامي:
أطفالي كانوا متعلقين بي كثيرًا.
لم يكونوا يحتملون فكرة أن أغيب عنهم ساعات طويلة كل يوم.
كانت دعواتهم البريئة
وتمسكهم بي
أحد الأسباب التي جعلتني أبقى قريبة منهم.
واليوم أفهم أن الله كان يدبر الأمر بلطف خفي.
لم تكن الرحلة سهلة.
أتذكر أول سيارة امتلكناها.
كان شعورًا مختلفًا…
وكأنه خطوة صغيرة نحو الاستقرار.
لكن بعد فترة قصيرة
تعرض ابني — وكان عمره ثماني سنوات — لحادث و تلفت السيارة تماما .
تلك اللحظات التي يتوقف فيها قلب الأم عن النبض
وهي تنتظر خبرًا من اعمامه .
لكن رحمة الله كانت أوسع من خوفي.
خرج ابني سالمًا معافاً.
وكأن الله كان يطمئن قلبي مرة أخرى
أن الرعاية ليست بيد البشر…
بل بيده سبحانه.
وفي عام آخر
كادت ابنتي الصغيرة أن تفقد أحد أصابع يدها في حادث في المدرسة.
كان احتمال البتر قائمًا و دخولها للعمليات.
لكن الله حفظها.
وكلما تذكرت تلك اللحظة
أدرك كم كانت عناية الله تحيط بنا في كل خطوة.
ومع مرور السنوات
بدأت الحياة تفتح لنا نوافذ جديدة.
بعد ثماني سنوات من تلك البداية الصعبة
كتب الله لي فصلًا جديدًا من الرحمة.
تزوجت زوجي الثاني 2022
لم يكن مجرد زوج…
كان سندًا حقيقيًا لي ولأولادي.
بعد الله
كان هدية جاءت في الوقت الذي كنا نحتاجها فيه.
عمر ولدي الكبير 16 عام
الوسط 14 عام
الصغيرة 11 عام
دخل حياتنا بهدوء
لكن حضوره كان عميقًا.
لم يحاول أن يأخذ مكان أحد
لكنه اختار أن يكون قلبًا إضافيًا في بيتنا.
ومع مرور الوقت
بدأت حياتنا تستقر أكثر.
كبر أولادي…
وكبرت أحلامنا معهم.
بدأنا نسافر معًا
لا لنبتعد عن الحياة،
بل لنكتشفها.
رحلات إلى مدن أوروبية هادئة،
قرى صغيرة،
شوارع قديمة،
ومقاهٍ دافئة كنا نجلس فيها نتحدث ونضحك.
كانت تلك الرحلات بالنسبة لي أكثر من مجرد سفر.
كانت دليلًا
أن الله سخر لنا الحياة دائمًا على أن تفتح صفحة جديدة.
وفي عام 2024
وجدت نفسي أقف في مكان لم أكن أتخيله يومًا.
في مدينة هونولولو في هاواي
وسط مؤتمر عالمي لشركة Silhouette.
كنت هناك…
ليس كزائرة فقط.
بل كمؤثرة عربية
وسط مجتمع عالمي من المبدعين.
وقفت هناك لحظة
وتذكرت الطريق كله.
تذكرت البيت الصغير الذي بدأنا منه.
الأيام الصعبة.
القلق.
الدعوات.
وأدركت شيئًا عميقًا:
أنا لم أصل إلى هنا بقوتي وحدي.
الله هو الذي قوّاني.
هو الذي أرشدني.
هو الذي فتح الأبواب التي لم أكن أتخيل وجودها.
وكلما نظرت إلى حياتي
أتذكر قول الله تعالى:
“وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها”
(سورة هود: 6)
وكأن هذه الآية كانت ترافقني طوال الطريق.
الرعاية الحقيقية
ليست بأيدينا…
بل بيد الله.
واليوم
بعد كل تلك السنوات
أنظر إلى أولادي
وأرى أنهم كبروا.
ليس صدفة.
كبروا لأن الله رعاهم أولًا،
ثم لأن أمهم حاولت أن تبقى ثابتة في حياتهم.
وهذا التدوينة
ليس قصة نجاح.
بل قصة طريق.
طريق تعلمت فيه
أن الخوف غالبًا من الشيطان…
لكن الرعاية دائمًا من الله.
وأن وعد الله صادق حين يقول:
“ومن يتوكل على الله فهو حسبه”
(سورة الطلاق: 3)
ومن يتوكل على الله…
يكفيه الله الطريق كله.
التعليقات
لا يوجد أي تعليقات لعرضها.
تسجيل الدخولمقالات أخرى

نهى الحربي | Nuha Alharbi
رحلتي مع الإبداع وأجهزة القص الإلكتروني بفضل الله وتوفيقهنهى عاتق الحربي، صانعة محتوى ومدربة متخصصة في أجهزة القص الإلكتروني، ومؤسسة منصة Nuha Creative، حيث أساعد المبدعين وأصحاب المشاريع المنزلية على
01/02/2025